ملا محمد مهدي النراقي

16

جامع السعادات

والجلباب : كناية عن الستر على فقره ، والتجفاف ( 11 ) ، كناية عن كسب طيب يدفع فقره . وقيل له في رجل قال : لأقعدن في بيتي ، ولأصلين ، ولأصومن ، ولأعبدن ربي ، فأما رزقي فسيأتيني : قال أبو عبد الله : " هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم " . وهذا - أي ملكة تحصيل المال الحلال من المكاسب الطيبة وصرفها في المخارج المحمودة - هو الحرية بأخذ المعنيين ، إذ للحرية إطلاقان : ( أحدهما ) ذلك ، وهو الحرية بالمعنى الأخص ، ( وثانيهما ) التخلص عن أسر الهوى وعبودية القوة الشهوية ، وهو الحرية بالمعنى الأعم المرادفة ، وضده الرقية بالمعنى الأعم الذي هو طاعة الشهوة ومتابعة الهوى . وضد الأول - أعني الرقية بالمعنى الأخص - هو افتقاره إلى الناس فيما يحتاج إليه من الرزق ، وإلقاء نظره إلى أيديهم ، وحوالة رزقه على أموالهم إما على وجه محرم ، كالغضب والتهب والسرقة وأنواع الخيانات ، أو غير محرم ، كأخذ وجوه الصدقات وأوساخ الناس ، بل مطلق الأخذ منهم إذا جعل يده يدا سفلى ويدهم يدا عليا . ولا ريب في كون الرقية بهذا المعنى مذمومة ، إذ الوجه ( الأول ) محرم في الشريعة وموجب للهلاك الأبدي ، والوجه ( الثاني ) وإن لم يكن محرما إذا كان فقيرا مستحقا ، إلا أنه لا يجابه التوقع من الناس وكون نظره إليهم يقتضي المذلة والانكسار والتخضع للناس والرقية والعبودية لهم ، وهذا يرفع الوثوق بالله والاعتماد والتوكل عليه ، ينجز ذلك إلى سلب التوكل على الله بالكلية ، وترجيح المخلوق على الخالق ، وهذا ينافي مقتضى الإيمان والمعرفة الواقعية بالله سبحانه . فصل الدنيا المذمومة هي الهوى قد ظهر مما ذكر : أن الدنيا المذمومة حظ نفسك الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ، ويعبر عنه بالهوى ، وإليه أشار قوله تعالى :

--> ( 11 ) التجفاف : آلة للحرب يتقى بها كالدرع . وعن تفسير أمثال هذا الحديث راجع الجزء الأول من المجلد الخامس عشر من البحار ص 65 ، ففيه تفصيل معناه . وقد نقل عن ابن الأثير في النهاية ، وابن أبي الحديد في شرحه : كلاما في هذا الباب .